الاستنفار الأمني يبلغ أقصاه في فرنسا وسط مخاوف من صدامات ليلة الهالوين

تستعد السلطات الفرنسية لمواجهة موجة ثالثة من الاحتجاجات الاجتماعية التي تتواصل للأسبوع الثالث على التوالي، وسط حالة من الاستنفار الأمني غير المسبوق ومخاوف رسمية من تجدد أعمال العنف والتخريب والنهب التي شهدتها البلاد خلال الأسبوع الأول من التعبئة، خصوصاً مع تزامُن هذه الاحتجاجات مع احتفالات عيد الهالوين.
وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية عن تعبئة نحو 70 ألف شرطي ودركي في مختلف أنحاء البلاد، وذلك لتأمين المظاهرات المرتقبة في نحو 150 موقعاً. وفي السياق ذاته، وصف وزير الداخلية، لوران نونييز، هذا اليوم بأنه يحمل مخاطر مرتفعة جداً لحدوث اضطرابات في النظام العام، محذراً من احتمال استغلال التجمعات الليلية واحتفالات الهالوين لتنفيذ أعمال تخريب ونهب.
ويأتي هذا الاستنفار الأمني عقب أسبوعين من المواجهات وأعمال الشغب التي شهدتها عدة مدن فرنسية، لا سيما خلال احتجاجات 17 أكتوبر التي رافقتها عمليات نهب وتخريب طالت متاجر وممتلكات خاصة. وحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية، فقد شهدت موجة التعبئة الثانية في 24 أكتوبر توقيف أكثر من 1400 شخص.
اتساع رقعة المطالب الاجتماعية
تتجاوز الاحتجاجات الاجتماعية في فرنسا في جولتها الثالثة المطالب الطلابية البحتة التي كانت وراء انطلاق الحركة منتصف شهر شتنبر الماضي؛ فقد التحقت بها لاحقاً النقابات العمالية وحركة السترات الصفراء، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى تعبئة اجتماعية أوسع ترفع شعارات ضد ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وتردي أوضاع المؤسسات التعليمية، ونقص الموارد المخصصة للخدمات العامة، فضلاً عن الاحتجاج على ارتفاع أسعار الوقود.
ورغم إعلان الحكومة عن حزمة إجراءات للاستجابة لبعض مطالب الطلبة، اعتبرت التنظيمات النقابية والطلابية أن هذه الخطوات تبقى غير كافية، دافعةً باتجاه مواصلة الاحتجاجات في وقت تتسع فيه رقعة التعبئة لتشمل مدناً فرنسية عديدة.
تدابير أمنية مشددة ومواكبة واسعة
ولم تقتصر الاستعدادات الأمنية على نشر آلاف العناصر في الشوارع، بل امتدت لتشمل تعبئة وحدات التدخل المتخصصة، من ضمنها وحدات البحث والتدخل التابعة للشرطة (BRI)، وفرق (RAID)، ووحدات الدرك الخاصة (GIGN)، إلى جانب الاستعانة بالطائرات المسيرة والمروحيات والفرق السينوتقنية والخيالة، إضافة إلى نشر 26 مدرعة من طراز “سنتور” التابعة للدرك.
كما تقرر تشديد المراقبة عند مداخل مراكز المدن والمراكز التجارية، فضلاً عن الطرق ومحطات القطارات وشبكات النقل، مع السماح بإجراء عمليات تفتيش للحقائب والمركبات بناءً على طلبات النيابة العامة، وذلك في إطار التدابير الرامية إلى منع إدخال أي أسلحة أو أدوات قد تُستعمل في أعمال العنف.
وفي العاصمة باريس، فرضت السلطات قيوداً صارمة على مسارات المظاهرات، وجرى في النهاية اعتماد مسار خارج وسط المدينة بين باب باغنولي وباب شارنتون، وذلك بعد أن ألغى مجلس الدولة قراراً قضائياً كان قد سمح مؤقتاً بمسار وسط المدينة بين ساحة الباستيل وساحة الأمة، استجابة لطعن تقدمت به السلطات الأمنية.
وأعلنت شركة النقل في باريس عن إغلاق أكثر من 40 محطة للمترو والقطارات خلال اليوم، نظراً للتدابير الأمنية المرتبطة بالاحتجاجات، بينما اتخذت السلطات المحلية إجراءات إضافية لحماية المناطق التجارية والأحياء التي شهدت أعمال شغب في الجولات السابقة.
هواجس الهالوين والجدل السياسي
تشكل مصادفة الاحتجاجات مع احتفالات الهالوين مصدراً إضافياً للقلق بالنسبة للسلطات الفرنسية، التي تحذر من احتمال استغلال التجمعات الليلية والأقنعة لإخفاء هوية المشاركين في أعمال التخريب، أو تنظيم تحركات غير مرخصة تحت غطاء الاحتفال.
وأشار وزير الداخلية إلى أن الدعوات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي تتضمن تحريضاً واضحاً على العنف والتمرد والنهب، مؤكداً أن السلطات لن تسمح بتحويل الاحتفالات إلى غطاء لتجمعات غير قانونية أو أعمال تمس بالأمن العام. كما حذرت الوزارة من أن التجمعات الليلية غير المرخصة ستواجه بالحزم والتفريق والتوقيفات.
وفي المقابل، أثارت القيود المفروضة على مسارات الاحتجاجات موجة انتقادات من قِبل النقابات، التي اعتبرت أن منع التظاهر في مراكز المدن وفرض مسارات بعيدة عنها يمس بحرية التظاهر، معلنةً استعدادها للطعن في هذه الإجراءات التي تراها عامة وغير متناسبة مع طبيعة التحركات.
وكشفت وزارة الداخلية الفرنسية أن عدد عناصر الشرطة والدرك المصابين منذ انطلاق الحركة الاحتجاجية في 17 أكتوبر قد بلغ 1193 مصاباً حتى تاريخ 29 أكتوبر، من بينهم عناصر تعرضوا لإصابات خطيرة استدعت نقلهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج.
وتأتي هذه التعبئة في سياق سياسي واجتماعي متوتر، قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، حيث تحولت أزمة القدرة الشرائية والتعليم والخدمات العامة إلى ملفات مركزية في النقاش العام، فيما يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته ضغوطاً متزايدة لاحتواء الاحتجاجات دون المساس بحق التظاهر.





💬 شارك برأيك
نرحّب بجميع الآراء الهادفة، ونرجو الالتزام بالادب وعدم نشر أي إساءة أو محتوى مخالف للقانون.
0 تعليقاً