فئران ملقحة بجرعات دوائية قاتلة لمكافحة التكاثر الهائل للثعابين الشجرية في المحيط الهادئ

مواجهة بيئية مبتكرة بطائرات الهليكوبتر في جزيرة غوام
تبنت السلطات الأميركية استراتيجية بيئية تعد من بين الأكثر غرابة وفرادة لمكافحة انتشار الثعابين البنية الشجرية في جزيرة غوام الواقعة في المحيط الهادئ. وتعتمد هذه الطريقة غير التقليدية على استخدام فئران نافقة كطُعم محمّل بجرعات من مادة كيميائية قاتلة لهذه الزواحف الغازية التي أخلت بالتوازن البيئي في المنطقة لسنوات طوال.
جذور الأزمة وتعاظم أرقام الثعابين الغازية
تعود فصول هذه المشكلة البيئية إلى الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، حيث يُرجح أن هذا النوع من الثعابين قد تسلل إلى جزيرة غوام عبر الاختباء داخل شحنات عسكرية وبحرية قادمة من مناطق مختلفة في المحيط الهادئ. وفي ظل بيئة خالية تماماً من المفترسات الطبيعية ومع توفر فرائس سهلة ومتنوعة، تضاعفت أعدادها بمعدلات قياسية. وتكشف التقديرات الأميركية الرسمية عن وجود ما يقارب 3 ملايين ثعبان حالياً في الجزيرة، حيث تصل كثافتها في بعض المناطق الغابوية إلى نحو 13 ألف ثعبان في الميل المربع الواحد، وهي معدلات مرتفعة للغاية تسببت في أضرار فادحة للحياة البرية والمنشآت الخدمية وسكان الجزيرة.
تهديد بيئي واقتصادي يطال البنية التحتية
لم يتوقف ضرر انتشار هذه الثعابين عند الجانب البري، بل امتد ليتسبب في مشاكل تقنية بالغة التعقيد؛ حيث تسللت مراراً وتكراراً إلى محولات الكهرباء ومنشآت الطاقة مسببةً انقطاعات مستمرة في التيار الكهربائي، إضافة إلى وصولها لمنازل المواطنين وإثارة القلق العام. أما على الصعيد الحيوي، فقد أدى هذا الغزو إلى انقراض شبه كامل لعدة فصائل من الطيور المحلية، وتناقص حاد في أعداد الخفافيش والسحالي التي تشكل ركيزة أساسية للنظام البيئي المحلي.
السلاح السري: مادة الأسيتامينوفين ونقطة ضعف الثعابين
عكف الباحثون الأميركيون لسنوات على دراسة سلوك ونقاط ضعف هذا الكائن الغازي، ووجدوا أن نقطة ضعفه تكمن في قدرته المرتفعة على التهام الجيف وتناول الحيوانات النافقة. واستناداً إلى هذه الميزة السلوكية، صمم العلماء طعوماً من فئران نافقة محقونة بمادة الأسيتامينوفين، وهي المادة الفعالة المستخدمة في مسكن الآلام الشهير “تايلينول”. ورغم أن هذه المادة آمنة للبشر والعديد من الثدييات عند الاستخدام المعتدل، فإنها تشكل سماً زعافاً وقاتلاً للثعابين البنية الشجرية، حيث تعيق قدرة دمائها على حمل الأكسجين مما يفضي إلى نفوقها في غضون 60 ساعة تقريباً من تناول الطعم، بجرعة صغيرة لا تتجاوز 80 مليغراماً للثعبان البالغ.
آلية الإسقاط الجوي والتتبع التكنولوجي للطعوم
لضمان نجاح الخطة دون إلحاق الضرر بحيوانات أخرى تعيش على أرض الغابة، ابتكر الخبراء طريقة فريدة تكمن في تثبيت الفئران النافقة على هياكل خفيفة من الورق المقوى مصممة لتعلق على أغصان الأشجار التي تمثل الموطن والبيئة المفضلة للثعابين الشجرية. وخلال إحدى العمليات التجريبية المكثفة، استخدمت طائرات هليكوبتر لإسقاط نحو 200 طُعم في مساحة محدودة تقع ضمن الغابات المحيطة بقاعدة عسكرية أميركية في غوام. ورافق ذلك تزويد بعض هذه الطعوم بأجهزة إرسال لاسلكية دقيقة، لمساعدة الباحثين على تعقب مصيرها ومعرفة ما إذا كانت الثعابين قد التهمتها بالفعل.
نتائج واعدة ومخاوف إقليمية مستمرة
أثمرت هذه الخطوات التجريبية والبحثية الميدانية عن نتائج إيجابية ملحوظة، إذ أظهرت البيانات المسجلة انخفاضاً جوهرياً في أعداد الثعابين داخل مناطق الاختبار تراوح بين 80 و90 بالمئة خلال أسابيع قليلة من بدء العملية. وتأتي هذه الجهود المكثفة في غوام بدافع السيطرة التامة على هذا الانتشار وتفادي سيناريو انتقال الثعابين عبر الرحلات البحرية أو الجوية إلى جزر أخرى في المحيط الهادئ، وخاصة جزر هاواي التي يخشى الخبراء أن يتسبب وصول هذه الزواحف إليها في خسائر اقتصادية وبيئية يصعب تداركها.





💬 شارك برأيك
نرحّب بجميع الآراء الهادفة، ونرجو الالتزام بالادب وعدم نشر أي إساءة أو محتوى مخالف للقانون.
0 تعليقاً