أخبار وطنية

تكامل الجهل والإجرام.. هشام جيراندو يصرخ ألما من ضربات منظومة العدالة لشبكته الإجرامية

تطفو على السطح بين الفينة والأخرى ظواهر نشاز على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لا تجد أي حرج في تزييف الوعي العام وتشويه الحقائق وتصفية الحسابات الشخصية تحت غطاء “النضال” أو “الدفاع عن الحقوق”.ومن أبرز هذه الظواهر ما نشره مؤخراً المدعو هشام جيراندو على حساب “تحدي” في موقع فيسبوك، حيث أرفق صورة تظهر تكريماً لأحد نواب وكيل الملك بإحدى المدن المغربية، مدعيا بخسة في تعليقه أن هذا التكريم الذي نسبه بشكل تدليسي “للأجهزة الأمنية والمخابرات”، يعتبر ضرباً لمبدأ استقلالية القضاء. ولم يكتفِ بذلك، بل انهال على ممثل النيابة العامة بوابل من السب والشتم والقذف في العرض.

إن قراءة هادئة وموضوعية لهذه التدوينة تكشف بوضوح عن حجم الوحل والجهل المركب الذي يعاني منه صاحبها، وتفضح النوايا الحقيقية التي تقف وراء هذا الهجوم الممنهج على مؤسسات الدولة المغربية، وهو ما يقتضي ببساطة تفكيك هذه الادعاءات والرد عليها من خلال حقائق مؤسساتية وقانونية واضحة لا تقبل الجدل.إن أول سقطة مدوية لهشام جيراندو في تدوينته هي عجزه الفاضح عن التمييز بين مؤسسات الدولة المغربية، فالصورة التي نشرها تظهر بشكل جلي وواضح أطراً بزي المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وهم يقومون بتكريم ممثل النيابة العامة. إلا أن جيراندو، وفي محاولة بائسة لتضخيم الحدث وإعطائه طابعاً تآمرياً،ادعى أن التكريم تم من قبل “الأجهزة الأمنية والمخابراتية”.هذا الخلط العجيب يعكس أحد أمرين: إما جهلاً مطبقاً ببديهيات الهيكلة المؤسساتية للمملكة المغربية، حيث يعجز من ينصب نفسه “ناقداً” و”معارضاً” عن التمييز بين الزي الرسمي لإدارة السجون وزي الأجهزة الأمنية الأخرى، أو أنه تعمد عن سبق إصرار وترصد تزييف الحقيقة وتمرير مغالطة مفضوحة لتهييج الرأي العام.

وفي كلتا الحالتين، يسقط جيراندو في فخ فقدان المصداقية، إذ كيف يمكن الوثوق بتحليلات شخص لا يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بمؤسسات البلد الذي يدعي الحديث في شأنه؟ إن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج هي مؤسسة مدنية ذات طابع أمني مكلفة بتنفيذ المقررات القضائية السالبة للحرية وإعادة إدماج السجناء، ولا علاقة لها بأجهزة الاستخبارات التي تمتلك مهاماً واختصاصات مختلفة تماماً

وفي نفس السياق المطبوع بخلط الأوراق، يستند جيراندو في هجومه إلى فكرة سطحية مفادها أن تكريم ممثل النيابة العامة من قبل مؤسسة أخرى هو مساس باستقلالية القضاء، وهنا يتجلى جهل آخر أعمق بالقانون وبالعمل المؤسساتي. فالمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ليست جهة غريبة عن قطاع العدالة، بل هي جزء لا يتجزأ من منظومة العدالة الجنائية في المغرب، كما هو الحال في كافة دول العالم الديمقراطية.فالعلاقة بين النيابة العامة وإدارة السجون هي علاقة تكامل وتنسيق يومي ومستمر. فالنيابة العامة هي الجهة القضائية التي تصدر أوامر الاعتقال وتراقب مدى قانونية الاعتقال وحقوق السجناء داخل المؤسسات السجنية، وإدارة السجون هي الجهة المنفذة لهذه الأوامر والمشرفة على تأهيل النزلاء. ولعل ما يجهله جيراندو تماماً هو أن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج كانت لسنوات طويلة تابعة بشكل مباشر لوزارة العدل قبل أن تصبح مندوبية عامة تابعة لرئاسة الحكومة بهدف تعزيز استقلاليتها الإدارية والمالية، ومع ذلك ظلت روابطها الوظيفية بقطاع العدل والقضاء روابط عضوية لا انفصام فيها.وعليه، فإن تكريم ممثل النيابة العامة خلال الاحتفالات بالذكرى السنوية لتأسيس المندوبية العامة هو التفاتة رمزية وعربون تقدير للتعاون المثمر والمجهودات المشتركة في إرساء دعائم العدالة وحماية المجتمع وضمان حقوق السجناء، ثم إنه اعتراف بالعمل الدؤوب في إطار تطبيق القانون، ولا علاقة له البتة بالتدخل في استقلالية القضاء أو توجيه أحكامه، فالاستقلالية تعني عدم التدخل في الأحكام القضائية، وليس القطيعة التامة بين المؤسسات الساهرة على إنفاذ القانون.وإذا تجاوزنا الجهل المؤسساتي والقانوني، نصل إلى جوهر الموضوع والدافع الحقيقي وراء هذه التدوينة المسمومة، وهي أن هشام جيراندو لم ينشر هذا الكلام دفاعاً عن مبدأ استقلالية القضاء كما يحاول أن يوهم متابعيه، بل إن هدفه الأساسي هو تصفية حسابات شخصية بحتة مع مؤسستين وقفتا سداً منيعاً أمام أنشطته غير المشروعة: وهما الأمن والنيابة العامة.فالأمن هو الذي استطاع تفكيك جميع الخلايا المرتبطة بشبكة هشام جيراندو الإجرامية، وتمكن من تجفيف منابع ابتزازه، والنيابة العامة، في إطار ممارستها لمهامها الدستورية والقانونية في حماية المجتمع ومكافحة الجريمة، ساهمت بشكل حاسم ومباشر في زجر وملاحقة أعضاء شبكة الابتزاز والتشهير التي كان يديرها جيراندو ويقتات منها. وقد أدى هذا التدخل الصارم للأمن والقضاء إلى كشف زيف ادعاءاته وتعطيل آلته الإجرامية التي استهدفت أعراض الناس وابتزازهم المادي والمعنوي، وانتهى الأمر بإيداع عناصر هذه الشبكة داخل المؤسسات السجنية التي تشرف عليها المندوبية العامة للسجون .

عرض المزيد

💬 شارك برأيك

نرحّب بجميع الآراء الهادفة، ونرجو الالتزام بالادب وعدم نشر أي إساءة أو محتوى مخالف للقانون.

0 تعليقاً

اكتب تعليقك